منوعات
مقال متميز

أسوء 4 كوارث في تاريخ المغرب

5
(5)

عرف المغرب كوارث و أزمات خطيرة و متتابعة لم تتوقف إلا عند النصف الثاني من القرن 20. أوبئة و كوارث طبيعية تركت بصمتها في الذاكرة الجماعية للمغاربة و تسببت في خلق ظروف مأساوية لمعاصريها. تعرف في هذا المقال على أسوء 4 كوارث في تاريخ المغرب.

أزمنة الوباء

من منا لم يسمع عن عام البون الذي هو عام المجاعة. من منا لم يسمع عن الطاعون و الجذري الذي عاشه المغرب في النصف الأول من القرن العشرين. إن أجيال اليوم تعرف عن هذه الأسماء لأنهم سمعوها من كبار العائلة ومما يحكيه لهم آباءهم الذين سمعوا قصصا من آبائهم و أمهاتهم عن المعاناة مع تلك الكوارث التي ضربت المغرب و كادت تبيده. أجل! كادت تكون إبادة جماعية للمغاربة بسبب الأزمات الحادة للأوبئة و الظروف المحيطة بها. ذلك ما وثقته عبر أزمنة الكوارث كتب التاريخ المغربية و تقارير السفراء و القناصل الأجانب و مذكرات الأطباء و الأسرى الأروبيين، ثم ما يحكيه المغاربة الذين عاشوا أزمنة الوباء في النصف الأول للقرن العشرين. إنها قصة مؤلمة لكنها كأية قصة تم الإستفادة منها. فاليوم رأينا كيف تعامل المغرب بحزم مع وباء كورونا. لأن قصة المغرب مع كوارث الأوبئة طويلة، وهو لا يريدها أن تتكرر. لنبدأ إذن، إليك هذا التاريخ الأسود مع بعض أسوء الكوارث في تاريخ المغرب.

وباء الطاعون الكبير

عام 1797م، دخل الطاعون مدينة الصويرة فأهلك 50.000 نسمة

في القرنين 18م و 19م، رصدت الوثائق التاريخية الأجنبية والمغربية عدة مظاهر من الكوارث الطبيعية و ما صاحبها من تداعيات و ظروف خطيرة، من هذه الكوارث، الزلازل، الجفاف، انتشار الجراد، الحروب، الأوبئة والمجاعات. لكن أسوء هذه الكوارث و أخطرها هو طاعون سنة 1798م، و المسمى “الطاعون الكبير”. لم يكن هو الأول ولا هو الأخير لكنه كان الأسوء. فقد عرف المغرب سلسلة قديمة من الطاعون، فقد تفشى وباء الطاعون ما بين عام 1678 وعام 1680م. و ذكر الفقيه الضعيف الرباطي ذلك في كتابه “تاريخ الدولة السعيدة”. ففي هذا الكتاب أشار الضعيف الرباطي إلى الكوارث التي اجتاحت المغرب في عهده والتي عاصرها. و ذكر أن في عهده ظهرت المجاعة بسبب الجفاف، و تكاثرت الأمراض و ظهرت أنواع الفوضى جراء ذلك.

لقد مر الطاعون عبر محطات في المغرب، مثل طاعون فاس عام 1750 الذي انتشر في كل شمال المغرب، فقد كان يموت بفاس في كل يوم الألفان ونصف، كما ذكر أبي العلا إدريس في مؤلفه “الابتسام عن دولة ابن هشام أو ديوان العبر في أخبار القرن الثالث عشر”. لكن أسوء محطة لهذا الوباء هو الملقب ب” الطاعون الكبير”. كتب عنه المؤرخون و السفراء، كما كتب عنه طبيب عاش في المغرب تلك الفترة، الطبيب الفرنسي Auguste Broussenet الذي قدم معطيات أكثر دقة و أرقام مفصلة تدل على هول الكارثة.

كان ذاك اليوم هو يونيو من عام 1797م حين دخل الطاعون إلى المغرب بعد دخوله من تلمسان، و من ثم بدأ ينتشر بسرعة كبيرة، و حسب الطبيب Auguste Broussenet فقد كان سبب التفشي السريع لذاك الطاعون هو ضعف الإحتراز الصحي و غياب السياسة الصحية في البلاد. ذكر Auguste Broussenet أن ” ثلثي مدينة الرباط 30.000 نسمة هلكوا جراء الطاعون ولم تجد المحاصيل الزراعية من يجمعها، وسارع الناس الى شراء أكفانهم حتى أن الموتى لم يبق من يدفنهم فظلت الجتث ملقات في الشوارع و الطرقات تفترسها الجوارح والكلاب”. كان الطبيب في ذاك الوقت في مدينة الصويرة، و غير بعيد جدا في مدينة آسفي قتل الوباء الآلاف من الناس ثم دخل الصويرة فأهلك 50.000 نسمة، حينئذ غادر Auguste Broussenet المدينة و المغرب هربا من الطاعون. لقد فقد المغرب نصف سكانه بهذا الطاعون، و كانت له نتائج اجتماعية و اقتصادية و سياسية وخيمة، و أحدث نزيفا ديموغرافيا حادا، حيث رحلت قبائل كبيرة من مكان إلى آخر، و بسبب تأثيره الحاسم حيث كاد يجرف المغرب من الوجود فقد سمي بالطاعون الكبير.

عام المجاعة: عام البون

بدأ نظام البون منذ 1940 إلى 1948. وليس فقط في عام المجاعة

عام اللوبيا، عام بطاطا، عام خيزو، عام بوهيوف، عام يرني…كلها مسميات للمجاعات التي ضربت المغرب في القرون الماضية. ضربت المجاعات المغرب في مابين القرن 15م و 19م، ففي مجاعات القرن 16 والقرن 17 أكل الناس القطط والكلاب و الثعالب و الجيف من الحيوانات، و الموتى من البشر، وقد أرخ المؤرخون لتلك الفترة العصيبة بأحداث قاسية تفوق الخيال. تذكر بعض وثائق النوازل الفقهية بأن شدة الجوع دفع الجائعين إلى طلب فتوى من العلماء لأكل بعض المحرمات في الإسلام، وقد نقل البزاز عن مخطوط بعنوان “أجوبة لنوازل فقهية” جوابا عن سؤال : هل يجوز أكل الميتة؟ و قد أجاب المفتون بإباحة ذلك للمضطر من أكلها والتزود منها ليخلص نفسه من الموت.

فحسب تقرير حواري لموقع Le Desk مع المؤرخ نبيل مولين فمن سنة 873 م إلى 2011 عرف المغرب أكثر من 46 وباء. بمعدل 3،5 لكل قرن. ذلك أدى إلى انهيار كبير في عدد سكان المغرب خاصة ما بين القرنين 16 و 17م.تركت تلك المجاعات آثارا عميقة في المجتمع المغربي.

لكن المغاربة لم يترسخ في ذاكرتهم الجماعية إلا المجاعة التي سميت “عام البون” ولها أسماء أخرى مثل، عام الجوع، عام القحط، عام بوهيوف، عام خمسة وأربعين. امتد عام البون من 1944 إلى 1945 مخلفا آلاف الضحايا و أمراضا فتاكة نتيجة انحباس المطر لسنوات فعم البلاد الجفاف الشديد وانتفت المواد الغذائية من الأسواق كالقمح، الزيت، البيض، الشاي، السكر و غيرها. و انعدمت الأثواب من الأسواق فلم يجد الناس ملابس فمات الكثيرون عراة فسمي أيضا بعام الجوع و العري. لقد أكل المغاربة الحشائش و النباتات و الأعشاب، و افترش القتلى الطرقات و تخلى الآباء عن أبنائهم، و ماتت أسر بأكملها في بيوتهم، و انتشرت جراء الجوع أمراض فتاكة كالسل التي قتلت 8700 مغربي، و الحصبة، والرمد و الزهري.

  • أسباب مجاعة عام البون
البون يعطي فقط فرصة الوقوف في طابور و الحصول على الغذاء مقابل شراءها بنظام الإقتطاع

أولا يجب الإشارة أن المغرب عرف 3 محطات من المجاعة في النصف الأول من القرن العشرين. كان أسوءها مجاعة 1945. كانت كارثة قاتلة و حصيلتها مخيفة. و كانت أسبابها بشرية و طبيعية.

الأسباب البشرية: في هذه الفترة كان المغرب تحت الإستعمار الفرنسي و كانت فرنسا تستنزف مخازن الحبوب المغربية لتمويل جنودها في الحرب العالمية الثانية. فقد استعمرت ألمانيا أراضي فرنسا فقامت فرنسا باستعمار أراضي المغرب لاستغلال خيراته. كان المغرب ضمن نظام التموين لفرنسا و جنود الحلفاء فيما يسمى بالمجهود الحربي، وكان المغرب يمنح آلاف القناطر من الحبوب لفرنسا و من الثيران و الحيوانات القابلة للذبح. تم استنزاف المحاصيل الزراعية و الثروة الحيوانية للمغرب.

الأسباب الطبيعية: تزامن استنزاف مخازن الحبوب المغربية مع انحباس المطر، فعم جفاف شديد كل ربوع البلاد، و رغم صلوات الإستسقاء المتكررة إلا أن السماء لم تمطر قط، و جفت الآبار و الينابيع، وعم العطش و الجوع. لقد كانت لتلك المجاعة نتائج في جوانب عديدة منها التشكيلة الديموغرافية للمغرب، فحسب تقرير لموقع أنفاس، فقد غادر الرحامنة وحدها 20.000 شخص وتوافد على الرباط 4000 شخص وتدفق على فاس 15000 شخص.

أطفال في مجاعة 1944 ـ 1945

كانت لهذه السنة أسماء مثل، عام بوهيوف، عام إيرني وهي نبتة تطحن ليصنع منها خبزا يصبر الناس على أكله رغم أضراره الصحية كالإسهال و قرحة المعدة. لكن الإسم الذي ظل مرتبطا أكثر بتلك السنة هو عام البون.
مهم أن تعرف: “البون” كان نظام التموين الفرنسي لتغطئة استنزافها لمخازن الحبوب المغربية، بدأ نظام البون منذ 1940 إلى 1948. وليس فقط في عام المجاعة. البون هو وصل لا يمكن من الحصول على المواد الغذائية مجانا، بل يعطي فقط فرصة الوقوف في طابور و الحصول على الغذاء مقابل شراءها بنظام الإقتطاع.
سميت هذه المجاعة “أيضا “السنة المخيفة” لدى بعض المؤرخين، و أيضا “عام التيفوس”، وهو حمى التيفويد الذي اكتسح المغرب سنة 1945، حيث بسبب الجفاف و المجاعة و انعدام الملابس في الأسواق و انعدام المياه انعدمت النظافة و انتشر قمل الجلد الذي يسبب مرض التيفوس، فقد ورد في كتاب «إتحاف المطالع» لعبد السلام بن سودة تسميته “عام التيفوس”، و قد بلغ عدد من أصيب بالتيفوس تلك السنة في المدن حسب تقرير إدارة الصحة العمومية التابعة لسلطات الحماية 26290 شخصا.
حسب تقرير إدارة الصحة العمومية، فقد هلك بمجاعة سنة 1945 حوالي 50 ألف مغربي يشكل الأطفال نسبة مهمة منهم، لكن التقارير لم تكن شاملة لوفيات البوادي و المجال القروي، وقد ذكرت مصادر أخرى أن نسبة الوفيات بلغت 300.000 قتيل.

الكوليرا أو بوكليب

موجات الكوليرا التي اجتاحت المغرب مدمرة بسبب تزامنها مع الجفاف و وباء الجذري

ظهر وباء الكوليرا أول مرة بالمغرب سنة 1834. كانت لها قوة تدميرية، فقد أصابت الناس بإسهال فتاك فتسببت في هلاك جماعي. و أثناء موجة الكوليرا العالمية الثالثة، ضربت موجة أخرى للكوليرا مدينة فاس في نونبر 1854. وحسب تقرير policycenter كانت الكوليرا في فاس تقتل 400 شخص في اليوم. وكانت موجات الكوليرا التي اجتاحت المغرب مدمرة بسبب تزامنها مع الجفاف و وباء الجذري. و كانت أسباب دخول الكوليرا في المرة الأولى تسللها مع حجاج عادوا من الشرق. ثم تسللت في موجة أخرى مع تجار أروبيين كانوا قد أصيبوا بالعدوى. فانتشرت بسرعة رهيبة و حصدت أرواح الآلاف من المغاربة.

زلزال أكادير

عرف المغرب تاريخا من الزلازل، إحدى وثائق القرن 18 عبارة عن مذكرات Marcus Berg الأسير السويدي زمن السلطان مولاي عبد الله، ذكر فيها زلزالا ضرب مدينة فاس ودمر مدينة مكناس تدميرا شبه كلي، حيث مات أكثر من مليون شخص في الفاتح من نونبر سنة 1755م. كما يذكر التاريخ أبريل 1773 حين دمر زلزال “خليج قادس” العنيف مدينة طنجة تدميرا شبه كلي. وفي سنة 2004 ضرب زلزال مدينة الحسيمة فقتل 629 شخصا و دمار 2500 مبنى. ولعل أسوء زلزال عرفه المغرب الحديث هو زلزال أكادير سنة 1961، و قبل ذلك أرخ الضعيف الرباطي في كتاب “تاريخ الدولة السعيدة” لزلزال ضرب أكادير عام 1731م.

غلاف المجلة الفرنسية Paris Match حول زلزال أكادير ـ سنة 1960

زلزال أكادير سنة 1960، زلزال مدمر وقع في 29 فبراير1960، على الساعة 23:40 مساء. وكان أكثر الزلازل فتكا وتدميرا في التاريخ المغربي بدرجة 5.7 على سلم ريشتر من تسع مستويات، حيث قتل حوالي 15.000 شخص (حوالي ثلث سكان المدينة في ذلك الوقت) و جرح 12.000 آخرين. وترك مالا يقل عن 35.000 شخصا بلا مأوى وبلغت خسائره 290 مليون دولار. تضررت معظم الأحياء الرئيسية للمدينة: تالبورجت، فونتي، إحشاش، أنزا وبعض المدن مثل إنزڭان.

كيف واجه المغرب أزمنة الوباء ؟

مع هذه المحطات التاريخة التي عرف فيها المغرب أزمات حادة من الأوبئة و الكوارث الفتاكة، كان المغاربة يواجهونها بالغيبيات، لقد كانت التفاسير الغيبية طاغية على طريقة فهم المجتمعات الإسلامية لهذه الأوبئة. فحسب الباحثين في تاريخ المغرب المعاصر انتشرت زيارات الأضرحة و التزلف بالقرابين متوسلين أن يرفع الله الوباء عن ديارهم، و كان جزء كبير من المغاربة يعتقدون أن الوباء سببه الجن والعفاريت أو العين والسحر، أو هي قضاء الله. و كانوا يتعالجون لدى فقيه يكتب الرقي الشرعية لعلاج الوباء. و كان جزء آخر من الناس يتجهون إلى الحمامات الساخنة كمولاي يعقوب للتخلص من الوباء، أو يقومون بالكي، أو الحجامة. إلى جانب هذه الصورة القاسية و ما تبعها من ظواهر سلبية مثل السرقة والنهب، فقد انتشرت مواقف تضامن رائعة بين المغاربة الذين تعاونوا فيما بينهم.
في هذه الأثناء في أروبا كانت المقاربة المتخذة لعلاج الوباء علمية محضة، حيث ٱكتشف العالم البيولوجي الألماني روبيرت كوش بكتيريا الكوليرا، و اكتشف التلقيح من طرف الفرنسي لويس باستور. منذ تلك الفترة ظهرت ثورة علمية عالمية تعتمد على محاربة البكتيريا التي تسبب كل هذه الأوبئة.

بدأت ثورة علمية في مجال الصحة العالمية بعد ٱكتشاف العالم البيولوجي الألماني روبيرت كوش بكتيريا الكوليرا، و اكتشاف الفرنسي لويس باستور التلقيح

في المغرب تأسس معهد باستور سنة 1929 من طرف الفرنسي إميل رو، كانت لتلك المبادرة أثرا كبيرا على المجال الصحي في المغرب. فبعد معاناة طويلة مع الأوبئة التي أودت بمعظم ساكنة المغرب في الماضي عمل المعهد على تزويد الناس باللقاحات. ومنذ ذاك الحين انتقل الطب في المغرب من الطب التقليدي إلى طب يعتمد على النهج العلمي المخبري.

شارك المقال، اشترك في نشرتنا الإخبارية ليصلك جديدنا.


ما مدى فائدة هذا المقال؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 5

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يضع تقييم.

خديجة يكن

قصاصة وروائية. كاتبة مقالات. مغربية أبدية، حالمة أبدية، أشارككم أفضل ٱكتشافاتي في مختلف المجالات الخاصة بالمغرب. بفضل هذا الموقع يمكنك أن تجد مقالات مثل الخطط الجيدة. تابعني في شغفي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى